ثاليدوميد Thalidomid : السقوط و العودة

في سنة ١٩٥٦ و اثناء ما علماء في شركة جرونينتال Grünenthal الالمانية بيشتغلوا على أدوية جديدة مستخلصة من حمض الجلوتاميك (Glutamic acid ) طلع معاهم بصورة غير مقصودة مركب جديد اسمه Thalidomide . الهدف كان ابتكار عقار يشتغل على مستقبلات ال GABA كمهدأ أو منوم و بتجربة الممركب الجديد ظهرت نتايج ممتازة و بالفعل كملت الشركة في ابحاثها وتجاربها على الحيوانات وظهر ان الدوا آمن حتى بجرعات عالية وعليه أخدت الموافقة و نزلت الدوا الجديد في ١٩٥٦ باسم كونترجران Contergran ومكانشي محتاج وصفة وسط نجاح شديد .
النجاح كمان تعدى الاستخدام الرسمي كمنوم و مهدأ و بدأ استخدامه بصورة عير رسمية Offlabel كمضاد للغثيان نظرا لنتايجة الهايلة خاصة في الحمل . و بدأ ينتشر النجاح في العالم كله بمبيعات عالية .. و لكن في الخلفية كان فيه كارثة بتتشكل
.
في نفس الوقت لاحظ طبيب الأطفال الالماني فيدوكيند لنز Widukind Lenz زيادة في عدد الأطفال المولودين بتشوهات خافية ، في الحقيقة لنز مكانش الوحيد اللي لاحظ دا ، لكن الكلام العام كان رايح في سكة ان دا بسبب الاختبارات النووية اللي القوى العظمى بتعملها في الوقت دا . لكن لنز مكانش مقتنع و كونه متخصص في علم الجينات بدأ في البحث اللي بدأت تشاور على استخدام الامهات لكونترجران اثناء الحمل كنمط متكرر. و كإجراء وقائي قام بالاتصال بالشركة و الشركة قامت بسحب الدوا لحين اجراء تحقيق .

و التحقيق اثبت الكارثة او زي ما بقى يتقال عليها (فضيحة ثاليدوميد Thalidomid Scandal) : اكتر من ٢٠ الف طفل ولدوا مشوهين حول العالم بعد استخدام ثاليدومايد اثناء الحمل . ونص الأطفال دول توفوا في أول أيام حياتهم . وتم رفع قضية ضد الشركة المنتجة استمرت اكتر من ٧ سنين في المحاكم و ولكن القضية نزلت على مفيش خاصة وان الشركة كانت مستوفيه كل التاختبارات المطلوبة و الموافقات و الاختبارات واللي مكانشي من ضمنها اي اختبارات على الحيوانات في فترة الحمل . ولكن قضايا التعويضات ضد الشركة اخدت منحنى تاني . الشركة وافقت على دفع مبالغ ضخمة للضحايا و تم تأسيس مؤسسة كونترجران الخيرية Contergran Stftung لرعاية الضحايا .
البلد الوحيدة اللي نجت من مأساة Thalidomide كانت أمريكا و دا بسبب موظفة في ال FDA . الموظفة الصيدلانيّة الدكتورة فرانسيس اولاهام كنسلي Frances Oldham Kensley رفضت طلب اتقذمت بيه شركة امريكية لتسويق Contergran في أمريكا كانت عملت عقد مع الشركة الالمانية في سنة 1959 . الشركة طلبت الموافقة على الدوا بناءا على الابحاث اللي كانت اتعملت في المانيا و لكن دكتورة فرانسيس طلبت منهم اجراء اختبارات منفصلة و ارسال النتايج ليها و دا اللي الشركة فعلا بدأت تعملوا و أخد وقت طويل نسبيا . واثناء الدراسات و الاختبارات تم استخدام الدوا على سيدات حوامل ودا ادى لولادة ١٦ طفل بتشوهات في أمريكا وعليه تم رفض الدوا و تزامن دا مع سحب الدوا عالميا .
الصيدلانية فرانسيس اولاهام كنسلي اخدت أعلى وسام في امريكا في سنة ١٩٦٢ من الرئيس الأمريكي وقتها جون كينيدي
الحادثة دي غيرت من نظرة المجتمعات كلها للجهات الدوائية الرقابية و زاد دورها دورها وطلعت قوانين كتير تنظم عملها سواء في امريكا او في باقي العالم و اجراءات الموافقة على اي دوا جديد بقت اصعب و خطواتها اعقد كتير
لكن القصة ماخلصتش هنا ، دي يمكن ابتدت بس
في الستينات وفي بعض مناطق العالم بعيدا عن أوروبا و أمريكا وخاصة أمريكا الجنوبية هيستمر استخدام الThalidomide بشكل غير رسمي ، بالذات و ان استخدامه الاصلي فاكرين كان ايه … ايوا بالضبط مهدئ . و أحد الأطباء هيستخدم الthalidomid لمريض بالجذام Leprosy بيعاني من الام فظيعة مش عارف ينام منها نتيجة أحد اعراض الجذام اللي هو Erythyma Nodosum او ENL اللي هي عبارة عن التهاب في الغدد في الجلد بتسبب حبوب حمرا ضخمة و مؤلمة ، المهم الراجل استريح و نام و تاني يوم لاحظ الدكتور ان الاتهاب ابتدي يقل ، ومن هنا بدا يتم تجربته على اكتر من مريض جذام عنده نفس العرض والنتايج كانت مبشرة ، ولكن للاسف دا كان على حساب حالات تشوه جديدة ظهرت في البرازيل و غيرها من دول أمريكا الجنوبية.
ومع زيادة الدراسات على الدوا بيتم اكتشاف ان الدوا ليه اثر مضاد للالتهاب و بيبتدي تظهر له تجارب جديدة في حالات تانية زي رفض الجسم لعمليات زراعة أو نقل الأعضاء و غيرها من حالات الالتهابات
وهنا بدأ الكلام عن إعادة إحياء الدوا مع تقنين استخدامه ، و بدأت شركة Celgene الأمريكية اجراءات جديدة لطلب الموافقة عليه في حالات الجذام اللي بتظهر فيها ENL فقط و مع التنبيه على انه مايستخدمش وقت الحمل ولا التفكير في الحمل و لاحتى للرجال وقت حمل زوجاتهم لانه تم اكتشاف انه بيوصل من خلال الحيوانات المنوية للرحم و بعد اجراءات طويلة و معقدة و اختبارات بيتم التصريح باستخدام Thalidomid للمرة الأولى في أمريكا بعد اكتر من ٣٠ سنة وبالتحديد في 1998 و المرة دي باسم Thalomid ولكن شركة Celgene في نفس الوقت كانت على ميعاد مع مفاجأة غير متوقعة

في دكتور في الاورام في أمريكا اسمه جوداه فولكمان Judah Folkmann متخصص و بيدور في نقطة معينة في تركيب الخلايا السرطانية ، نقطة انها محتاجة تغذية زيادة و تدفق للدم قوى علشان تقدر تكمل نموها السريع ، والنمو دا معناه ان مكان الورم هيكون في زيادة في عملية تولد الاوردة Angiogenesis ودا معناه ان مضادات تولد الاورام ممكن يكون ليها دور في علاج او على اقل تقدير ايقاف نمو الأورام و الكلام دا مش بس في الأورام الصلبة لا كمان في اورام الدم.
و في نفس الوقت Celgene اثناء عملية التصريح بتكمل البحث عن سبب و طريقة تأثير الثاليدوميد على الاجنة و ازاي بيسبب لهم تشوه . وفي ١٩٩٤ طلعت فرضية علمية نالت تأييد كبير : الفرضية بتقول انه Thalidomide بيوقف عملية Angiogenesis او تولد الأوردة بمعنى انه بيوقف ان الاوردة تتشعب و تنقسم لأوعية جديدة ، ودا السبب ان الأطفال كانوا بيكونوا غير كاملين النمو خاصة في الأطراف لان عملية بناء الطرف نفسها و تزويده بالدم و الغذا بيتم إيقافها في رحم الأم .
ويشاء ربنا انه عم Folkmann يبقى ليه علاقة بالدراسات اللي اشتغلت على Thalidomide و في نفس الوقت يعرف حالة عندها سرطان مش بيستحيب للكيماوي و هنا هيتكلم مع الطبيب المعالج فإنهم ممكن يجربوا الThalidomide على المريضة وبالفعل بينجح الدوا و بيجيب نتايج كويسة مع اكتر من حالة

ساعتها شركة Celgene هتقدم طلب جديد مستعجل للتصريح لاستخدام Thalidomide في بعض حالات الاورام و بالذات في حالة Mutiple myeloma او الورم النخاعي المتعدد . و مع نجاح الThalomid بتبدأ الشركة في تطوير ادوية مشابهه ولكنها ليها تأثير اقوى ضد ال Angiogenesis يعني أكثر ضررا على الأجنة .ولكنها اقوى ضد السرطان وفي 2006 بينزل النسخة الاحدث : Revlimid او Lenalidomid و نتائجة هتكون افضل بكتير و هيتم اعتباره العلاج الاساسي لاكتر من نوع من اورام الدم و مبيعاته هتوصل لارقام خيالية تخليه في وقت من الاوقات يكون من اعلى ١٠ ادوية في المبيعات في العالم من عام ٢٠١٥- ٢٠٢١ لحد ما فترة براءة اختراعة خلصت و ظهر له بدايل . وفي الوقت دا كانت Celgene بتقدم للعالم الدوا الأحدث من عائلة Thalidomid وهو Pomalidomide و كل دا خلى شركة ضخمة زي Bristol Meyer Squibb تشترى Celgene في 2019 بمبلغ خرافي 74 مليار دولار
كلمة أخيرة
رغم نجاح Lenalidomid و Pomalidomid الكبير إلا ان صرفهم في كل دول العالم عملية معقدة نظرا لأثارهم الجانبية الكبيرة على الأجنة ، في أمريكا في نظام STEPS اللي بموجبه في صديليات معينة بس اللي من حقها تصرفه و بعد مناقشة مطولة مع المريض ، و في المانيا تم استحداث نوع مخصوص من الروشتات اللي اسمها T-Rezept . تبعا للقانون بيتم تسجيل بيانات المربض والطبيب المعالج و الاحتفاظ بها مع بيان الكمية اللي المريض استلمها من الدوا و بيتم ارسال نموذج الصرف لجهة مركزية بعد الصرف مباشرة . و في كل العالم في إجراءات مشابهة .
اللي نطلع بيه من القصة دي ان احنا فعلا علمنا على قده جدا و ان قدام كل معلومة نعرفها في الاف البيانات اللي منعرفها خالص حتى عن الادوية اللي ممكن الواحد يفتكرها أدوية بسيطة
ممكن تتكلم عن الاستعمال الصحيح للفيتامينات زي أفضل موعد لتناولها صباحا ولا مساءا وهل يفضل تناولها قبل الأكل أو بعده والنصايح المشابهة. جزاكم الله خيرا على المعلومات القيمة.