الكورتيزون  : هرمون سحري ولكن

الكورتيزون، أو بشكل عام  ال Glucocorticoids ، من أهم الأدوية في الطب الحديث. تأثيرها قوي و فعال في حالات كثير جدا  من الحساسية ، للالتهابات ، للروماتويد و الأمراض المناعية ، لعلاج السرطان وحتى زراعة الأعضاء، الكورتيزون موجود في كل حتة. النهاردة، تقريبًا 1-2% من الناس في العالم بيستخدموا احد الGlucocorticoids لعلاج أمراض مزمنة،  و اكثر منهم كمان بيستخدموه بشكل مؤقت بسبب حالة حادة .. الأرقام دي كبيرة جدا لو فكرت فيها . ومع ذلك الناس  بتخاف منه بسبب سمعته الوحشة مع الآثار الجانبية. بس الحقيقة إن الكورتيزون، لما بيتستخدم صح وبجرعات مضبوطة، بيقدر ينقذ حياة ويحسن جودة حياة المرضى بشكل كبير. المفتاح هو الفهم العميق لإزاي يشتغل، وإزاي نتحكم في آثاره الجانبية.

الكورتيزونات  مش بس بتعالج الأعراض على الوش ، لا دي بتشتغل على مستوى الخلايا والجينات، وده اللي بيخليها قوية كده. في المقالة دي، هناخد جولة عن رحلة الكورتيزون من اكتشافه لحد دوره النهاردة، مع لمحة عن ازاي بيغير حياة المرضى.

البداية: مرض أديسون واكتشاف دور الغدة الكظرية

في تاريخ الطب الغدة الكظرية أو فوق الكلوية كانت مهملة جدا في دراستها وكانت لفترة طويلة بيعتبروها جزء تابع للكلى مالوش فايدة . لدرجة إن في تجربة تم ذكرها في القرن ال١٩ عشان يشيلوا الجزء دا من حيوانات التجارب عشان نشوف دا له لازمة ولا لأ .. ولأن الحيوانات كلها ماتت بعد استئصال الغدة دي طلع ان ممكن يبقى لها لازمة . بس ايه ؟؟ محدش كان فاهم

بدايه الفهم بدأت في منتصف القرن ١٩ برضه، دكتور إنجليزي اسمه توماس أديسون ( غير بتاع الكهربا) بدأ يلاحظ حالات غريبة. مرضى عندهم ضعف شديد، تعب مستمر، فقدان وزن، اسمرار في الجلد غير طبيعي، وضغط دم واطي جدًا. في الوقت ده، محدش كان عارف إيه المرض دا . أديسون، بعد ما فحص جثث المرضى اللي ماتوا، لاحظ إن الغدة الكظرية (اللي فوق الكلى) كانت متدمرة عندهم وسجل ان ضعف نشاط الغدة بيسبب الحالة دي .  الحالة دي اسمها حاليا “مرض أديسون Αddison Diseases ”، بس أكثر من كدا معرفناش ساعتها . بس بدأت محاولات لفهم ايه بقى الدور اللي بتعمله الغدد دي أو زي ما كان بيتقال عليها ساعتها الكبسولات الفوق كلوية

دور Mayo Clinic في فهم الكورتيزون

فصل الكورتيزون

في الثلاثينيات، دكتور إدوارد كيندال Edward Kendall ، وهو عالم كيمياء حيوية في مستشفى Mayo Clinic في أمريكا، حاول  يحل لغز الغدة الكظرية. كان عايز يعزل المواد اللي بتفرزها الغدة دي. المشكلة إن الغدة صغيرة جدًا (حجمها زي حبة العنب)، والهرمونات بتطلع بكميات زي الرذاذ، فكان لازم يستخرجها من آلاف الغدد من حيوانات زي الأبقار.

كيندال وفريقه عملوا تجارب مكثفة، وبعد تعب كتير، نجحوا سنة 1936 في عزل مجموعة مواد سموها باسماء الحروف اللاتينية  من ضمن المواد دي كان في مادتين سمّوهم “Compound E” و Compound F ، ودول اللي بعد كدا سميناهم  كورتيزون و كورتيزول ( هايدروكورتيزون )

. العزل ده كان انجاز علمي جبار خلانا نقدر نفهم اكتر عن المواد اللي بتفرزها الغدة الكظرية دي . كيندال مثلا اكتشف إن الكورتيزون بيأثر على التمثيل الغذائي والالتهاب، وده فتح عين  على إمكانياته العلاجية.شغل كندال وCompound E بقى الأساس اللي اتعملت عليه أدوية الكورتيزون بعد كده.

الاستخدام العلاجي للكورتيزون

في الأربعينيات، دكتور فيليب هينش، وهو طبيب روماتيزم في Mayo Clinic، لاحظ حاجة غريبة. المرضى اللي عندهم روماتويد مفصلي كانوا بيتحسنوا فجأة في حالات معينة، زي لما واحدة تحمل مثلا . هينش افترض إن فيه هرمون في الجسم بيطلع في الحالات دي وبيخفف الالتهاب. و لأنه كان في نفس المستشفى مع كندال قرر يتعاون معاه ، وجرّبوا يعالجوا مرضى الروماتويد بـ Compound E (الكورتيزون) اللي كندال بيقول انه له تأثير على الالتهاب.

سنة 1948، أول مريضة جرّبت الكورتيزون كانت سيدة عندها 29 سنة وكانت بالكاد بتقدر تمشي من كتر ألم الروماتويد. بعد أيام من أخذ الكورتيزون، بدأت تمشي وتحرك إيديها بدون ألم! النتيجة كانت زي المعجزة  ، وخلّت العلماء يبصوا للكورتيزون على إنه ثورة في علاج الأمراض الالتهابية و ظهرت كمية مهولة من الأيحاث على الكورتيزون و بدأ ما يعرف بال Cortisone Boom .

سنة 1950، كيندال، هينش، خدوا جائزة نوبل في الطب على شغلهم ده بس مان معاهم واحد ثالث فهمنا حاجة مهمة عن الCortisone … تركيبته

 تركيب الكورتيزون

قبل Kendall و Hench ، عالم سويسري في جامعة زيوريخ اسمه ليوبولد روجيتشكا Rogecska كان بيشتغل على فهم الهرمونات من الناحية الكيميائية. وكان واخد جايزة نوبل قبلهم في ال1930 .  الراجل فهمنا ان فيه هرمونات كتيرة  ليها علاقة بالكوليسترول. cholesterol . الهرمونات الشبيهة دي سماها الستيرويدات Steroids . تركيبة الSteroids ليها بنية أساسية من 4 حلقات كربونية مرتبة بطريقة معينة. روجيتشكا كان عرف يشترح واحد من الستيرويدات دي بالتفصيل وهو هرمون الذكورة Testosteron .

واحد من تلاميذ Rogescka كان اسمه Reichstein . رايشتاين رمز على  الغدة الكظرية Adrenal Gland عشان يفهم منتجاتها  و بالفعل اكتشف ان Compound E و Coumpound F اللي kendall فصلهم دول فعلا هرمونات Steroids مشتقيين من الCholesterol و بما انهم بيتفرزوا من  cortex او من لحاء الغدة فتم تسميتهم Corticosteroids. كمان شرح التركيبة الكيميائية للاتنين وعرفنا ان الكورتيزول هو الشكل الأكثر نشاطا . وفهمنا العملية الحيوية اللي الجسم بيحول فيها الCholesterol ل cortisone و Cortisol  . وعشان كدا في ١٩٥٠ تقسام Reichstein جايزم نوبل في الطب مع Kendall و Hench

الشغل بتاع Reichstein كان مهم جدًا لأنه ساعد العلماء يفهموا إزاي يصنّعوا الكورتيزون  في المعامل. بدل ما يعتمدوا على استخراجها من الغدد الحيوانية، ده كان زي ما تكون لقيت خريطة الكنز، لأنه خلّى إنتاج الكورتيزون صناعيا  أسهل وأرخص بعد كده.

الفرق بين Glucocorticoids و Mineralcorticoid

الغدة الكظرية بتفرز نوعين أساسيين من الستيرويدات Steroids  ال Steroids دي الجسم بيستخدم فيها الCholesterol كوحدة بناء أولية . و بيفروزا من اللحاء Coretx للغدة .

  • الجلوكوكورتيكويد Glucocorticoid (زي الكورتيزون، الكورتيزول ): بتتحكم في التمثيل الغذائي للسكر والدهون والبروتين، وبتهدّي الالتهاب وبتثبط المناعة. دي اللي بنستخدمها في علاج الالتهابات والحساسية.
  • المينيرالوكورتيكويدز Mineralcoricoid (زي الألدوستيرون): بتتحكم في توازن الأملاح و المعادن في الجسم خاصة الصوديوم والبوتاسيوم في الدم، وبتنظم ضغط الدم والسوائل في الجسم.

على جانب آخر في مركز الغدة الكظرية Medulla بيتم افراز هرمون مالوش علاقة بالSteroids وهو الAdrenaline.

آليه عمل الكورتيزون و Glucocorticoid Receptor

الكورتيزونات بتشتغل عن طريق ارتباطها بمستقبلات خاصة موجودة في معظم خلايا الجسم. المستقبل ده (glucocorticoid receptor) موجود في ال Cytoplasm، ولما الهرمون يرتبط بيه، بيدخل لنواة الخلية ويغير في التعبير الجيني. يعني بيمنع إنتاج مواد الالتهاب زي الCytokines ال Prostaglandins ، وبيزود إنتاج بروتينات مضادة للالتهاب.

فعليا الCortisol هو الشكل الأكثر فاعلية على الReceptor ولكنه مفعوله قصير الأمد. الجسم بيحول الجزء الأكبر لCortisone عشان تأثيره يكون أقل و بفعله لCortisol عند الحاجة أو عند العضو أو النسيج الملتهب

  تصنيع الكورتيزون من النباتات

تصنيع الكورتيزون كان في البداية مكلف جدًا لأنه كان بيتعمل من الغدد الكظرية للحيوانات، وكان لازم آلاف الغدد علشان ينتجوا كمية صغيرة. لكن عالم اسمه راسل ماركر، لقى حل عبقري. اكتشف إن نبات اليام المكسيكي (wild yam) فيه مادة اسمها diosgenin، ودي بتشبه الكورتيزون في التركيب الكيميائي.

ماركر طور طريقة كيميائية لتحويل الـ diosgenin  لكورتيزون، وده خفض التكلفة بشكل كبير. Marker انشأ شركة في المكسيك اسمها Syntex لانتج الكورتيزون و باقي ال Steroids . وده خلّى الكورتيزون متاح لعدد أكبر من المرضى. شغل Syntex كان بداية ثورة في صناعة الأدوية الستيرويدية. syntex اتباعت بعد كدا لشركة Roche السويسرية

تطوير مشتقات للكورتيزون

في الخمسينيات، العالم آرثر نوبل، اللي كان بيشتغل في شركة Merck Sharp & Dohme (MSD)، بدأ يطور مشتقات للكورتيزون. الهدف كان إنه ينتج أدوية تكون أقوى من الكورتيزون وآثارها الجانبية أقل. الفكرة انه الكورتيزون نفسه ليه بعض التأثير المشابه ل Mineralsteroid. ودا بيخلي من اثارة الجانبية احتباس السوائل


نوبل استخدم تقنيات كيميائية متقدمة لتعديل جزيء الكورتيزون، وباستخدام بعض أنواع البكتريا قدر  يحول الكورتيزون لانواع  اكتر فعالية و أطول في التأثير و أقل في الآثار الجانبية زي Prednisone (Hostacortin ) اللي بيحتاج يتفعل الأول في الكبد

بعد كدا ظهر  Prednisolone (Solupred) اللي هو الشكل الجاهز للPrednison اللي ممكن يستخدم لمرضى الكبد  و بعدها ظهر الأخ الأقوى ليهم Methylprednisolon (medrol – Urbason ) اللي ممكن يستخدم في الحالات الأشد و بسرعة أكبر  . المشتقات دي وسّعت نطاق استخدام الكورتيزونات ، وخلّتهم أكتر أمانًا وفعالية في العلاج المزمن لحالات زي الربو و التهابات القولون و الذئبة .

الكورتيزون الأقوى

في الستينيات، ظهرت أقوى الGlucocorticoids . بيتميزوا  بتأثيرهم المضاد للالتهاب القوي جدًا اللي يعادل ٢٥ ضعف الكورتيزون العادي ، وبيستمر في الجسم لفترة أطول من الكورتيزون العادي ومالوش أي تأثير على الأملاح و السوائل . بيستخدموا في الحالات الحادة ، زي التهابات الرئة الحادة، فترة الهياج في أمراض المناعة الذاتية، وبعض أنواع السرطان. الGlucocorticoid المقصودة هي  Dexamthaxsone اللي بنعرفه بالاسم التجاري Fortecortin و Betamethasone اللي نعرفه أكثر بالحقن Diprofos بجانب طبعا استخدامه بشكل موضعي بس دا موضوع منفصل اتكلمنا عنه قبل كدا

. في 2020، الدكساميثازون بقى أساس بروتوكولات علاج كورونا (كوفيد-19)، لأنه كان فعال في تقليل الالتهاب الرئوي الحاد عند المرضى اللي محتاجين أكسجين أو تنفس صناعي. و قدر قلّل الوفيات بنسبة كبيرة في الحالات الشديدة. ومع فوته الشديدة تيجي آثاره الجانبية القوية .  ودا يخلينا نخاول نفهم أكثر شوية عن تأثيرات الGlucocorticoids

آثار الكورتيزون على الجسم

  • الجهاز الهضمي : الافراز الطبيعي للكورتيزون بيحمي من الالتهابات والتقرحات . لكن الاستخدام طويل الأمد بجرعات عالية ممكن يسبب قرحة معدة أو نزيف، خصوصًا لو المريض بياخد مضادات الالتهاب غير الستيرويدية (NSAIDs) مع الكورتيزون.
  • السكر: الكورتيزونات اتسمت Glucocorticoids أصلا بسبب تأثيرها على الجلوكوز . دا بيوضح لنا تأثيرها الكبير زي  مقاومة الإنسولين، وزيادة سكر الدم،ودا بهدف استغلال أمثل للسكر في حالات التوتر أو الخطر . مع الاستخدام الطويل دا بيحتاج متابعة دقيقة خاصة عند مرضى السكر. كمان بنشوف تأثير على مستويات الدهون و الكوليسترول.
  • الكالسيوم: الكورتيزون عكس فيتامين دال بالضيط – بيقلل  امتصاص الكالسيوم في الأمعاء ويزود تكسير العظام، وده بيؤدي لهشاشة العظام على المدى الطويل.
  • الآثار النفسية : ممكن يسببوا تغيرات في المزاج، زي التوتر، الأرق، أو حتى اكتئاب. في حالات نادرة، ممكن يسببوا هوس أو هلوسة.
  • احتباس السوائل: خصوصًا في الأدوية اللي فيها تأثير Mineracorticoid  زي الكورتيزون نفسه، ممكن يسبب تورم في الجسم.

زيادة الكورتيزون  : مرض كوشينج Cushing disease

لما الجسم يفرز كورتيزون زيادة عن اللزوم (بسبب ورم في الغدة النخامية أو الكظرية)، أو لما المريض ياخد جرعات عالية من الكورتيزون لمدة طويلة، ممكن يظهر مرض كوشينج. أعراض المرض دا تشمل:

  • زيادة وزن في الوجه والبطن (moon face وbuffalo hump).
  • خطوط بنفسجية على الجلد (striae).
  • ضعف في العضلات وهشاشة العظام.
  • ارتفاع في السكر والضغط.

العلاج بيعتمد على السبب. لو ورم، ممكن يتحل بالجراحة. لو بسبب الأدوية، لازم نقلل الجرعة تدريجيًا.

 توعية مريض الكورتيزون

  • الجرعات: لازم نستخدم أقل جرعة فعالة، ونبقى حريصين على استخدام العلاج لأقصر مدة ممكنة. في الحالات المزمنة، الجرعات الصباحية بتقلل التداخل مع إفراز الكورتيزون الطبيعي.
  • الاستخدام بعد الأكل في حالات الاستخدام المزمن بتقلل الآثار على الجهاز الهضمي.
  • الإيقاف: ممنوع نقطع الكورتيزون فجأة، لأن ده ممكن يسبب قصور في الغدة الكظرية. لازم يكون فيه تقليل تدريجي (tapering) على فترة طويلة
  • المناعة : مع طول الاستخدام العرضى للعدوي بتكون أعلى
  •  متابعة السكر والضغط و الكوليسترول بانتظام.
  •  متابعة كثافة العظام خاصة عند السيدات بعد سن انقطاع الطمث
  • في حالة وجود بديل مناسب بآثار جانبية اقل بيكون له أفضليه على الأقل لتقليل الجرعة . و الأدوية البيولوجية عملت طفرات في المجال دا . دا شوفناه واضح في حالات زراعة الأعضاء مثلا أو في الربو والكثير من الأمراض المناعية .

 الخاتمة

اكتشاف الكورتيزون غير الطب من أيام أديسون لحد النهاردة، الهرمون ده أثبت إنه سلاح قوي في مواجهة أمراض كتير. صحيح ليه آثار جانبية، لكن مع الاستخدام الصحيح والمتابعة الدقيقة، الكورتيزون هيفضل واحد من أعظم إنجازات الطب الحديث. المستقبل بيوعدنا بتطوير أدوية أكتر دقة، وده هيزود من فعاليته ويقلل مخاطره، علشان يفضل ينقذ حياة ملايين المرضى حوالين العالم.